..
واقع الحضارة الإسلامية :
إن مجتمعنا قد فقد توازنه القديم وهو لايزال يتذبذب ولايعرف له قرارا حتى اليوم وإننا لنشاهد عدم الإستقرار هذا في أنفسنا وفي تصوراتنا للأشياء حين تختلف باختلاف الناظرين إلها .
فهناك نظرة ذلك الشاب الذي يتغذى بثقافة ضيقة قانعة بضيقها فهو يرى أن سعادة البشر قد ابتدأت مع القرن التاسع عشر بانتشار ما يسمى بالافكار التحرريه .
وهناك من يشك في كل شي ويرى المدينة معركة اقتصادية وأن تخليص الشعب لن يتأتى إلا بحيلة اقتصادية يحتالها المحتكرون أو بكارثة مالية في السوق السوداء .
ومنا من ينظر النظرة المملوءة بالحقد المطلية بالرياء فهو يرى المدينة في الأعراس الانتخابية والمظاهرات العمومية وهو يظن أن خطبة يهتف بها لها تقلب النظام العالمي .
وهناك نظرة الشاب ( السلفي ) المملوءة بذكريات الماضي فهو يظن أنه يغير نظام المجتمع بتطهير لغته وتطبيق النحو والصرف .
وهناك النظرة المخدرة يرى صاحبها أن المثل الأعلى للمدينة يبرق في قعر كأسه ويلمع في جو الخمارة .
ومنا من يرى نجاة الشعوب في تحرير النساء ويظن أنه ملك بيديه المدينة إذا ما فاز بامرأة عصرية .
وهناك المقتنع بحاله الذي لا يرى شيئا ولا يفهم شيئا فهو قانع بدفع ضريبته من غير أن يتساءل عن موجبها الاجتماعي .
وإن في هذه الوجهات المتعددة لدليلا على درجات متعددة من التكيف مع مجرى الحضارة .
وإلى هذه الوجهات يعود اختلاف الملابس وتباين الأذواق وتنافر الآراء وتباعد الأفراد وأحيانا اصطدام الجهود .
فإننا في علاقتنا الودية والعائلية نعيش في وسط كأنه مؤلف من أجناس متعددة ومتأثر بثقافات مختلفة، إننا قد انزلقنا في المتناقضات بسبب تفكيرنا الذي لم يتناول الموضوع بأكمله وإنما أجزاء منه .
ولو أننا درسنا الحضارة بالنظرة الشاملة الخالية من الشهوات المبرأة من الأوهام لما وجدناها ألوانا متباينة ولا أشياء متناقضة ولا مظاهر متباعدة .*
*من كتاب : مالك بن نبي - عودة إلى الذات ( الفاعلية والسننية ) . وهي مقتبسه من كتاب / شروط النهضة لمالك بن نبي .
..